التخطي إلى المحتوى

يمكن أن يكون البعوض ضمن أحد الآفات القليلة التي لن يشعر العلماء بالسوء حيال إستئصالها، ولكن يمكن لهذه الحشرات المزعجة مثل اليعسوب بأن تُسبب أضرارًا إقتصادية لا حصر لها، ويمكن أن يؤدي وجودها إلى إنخفاض أسعار العقارات وإخافة السياح وإحداث الضرر في الحسابات المصرفية، وذلك من خلال محاولة التخلص منها أو علاج مجموعة من الأعراض التي تنشرها هذه الحشرات.

يستضيف حوالي 70 من بين أكثر من 3000 نوع مختلف من البعوض الجراثيم والبكتيريا والفيروسات والطفيليات التي يمكن لها أن تسبب أمراضًا تُهدد الحياة، بما في ذلك الملاريا والزيكا والشيكونغونيا والحمى الصفراء وحمى الضنك، و وفقًا لمنظمة الصحة العالمية في عام 2017، هناك ما يقرب من 219 مليون حالة إصابة بالملاريا، ويُعتبر هذا المرض بأنه من أشهر الأمراض التي ترتبط إرتباطًا وثيقًا بالبعوض، كما يمكن أن تؤثر الفواتير الطبية لمثل هذه الحالات في البلدان النامية بشكل كبير للغاية على الأسر.

اليعسوب - البعوض - الحشرات
البعوضة الزاعجة المصرية، والتي تنقل أمراضًا مثل الحمى الصفراء والشيكونغونيا والزيكا والمايارو وحمى الضنك.

حاول المزارعون والممارسون الطبيون مع العلماء يائسين التوصل إلى الطرق الفعالة التي يمكن من خلالها التعامل مع هذه الحشرات المغزلية للأعمار، وقد كانت أحد الحلول الناشئة هو مصادقتنا غير المتوقعة لعدو البعوض الطبيعي – اليعسوب.

البعوض والمواد الكيميائية

بدأت الحرب الأولى على نطاق واسع مع البعوض بالمواد الكيميائية، وقد أدى إكتشاف المبيدات العضوية الإصطناعية (الجزيئات المحتوية على الكربون والتي لا يمكن العثور عليها في الطبيعة) في أوائل القرن العشرين إلى رفع الحرب ضد الآفات (بينما إحتدمت الحروب البشرية أخرى في الخلفية) إلى نطاق واسع، ومثال على ذلك وهو ثنائي كلورو ثنائي فينيل ثلاثي كلورو الإيثان DDT، وهو أول مبيد حشري أنشأه بول مولر (الذي حصل على جائزة نوبل) في عام 1939.

إستحدث إنشاء DDT مجموعة واسعة من المبيدات الحشرية لفترة من الزمن، وقد أعطتنا هذه الترسانة من المواد الكيميائية من صنع الإنسان، والتي نأمل أن ننتصر على البعوض والآفات من خلالها، لذلك فقد قمنا بتغطية جميع مشاكلنا المتعلقة بالآفات بجرعة ثقيلة من المواد الكيميائية، وكانت مادة DDT رخيصة وسريعة المفعول والإدارة، حيث بدأ الناس في رش الآفات لتسقط مع هذا الدواء السحري، والتي زادت غلة المحاصيل ونشرت الملاريا في البعض، بالإضافة إلى أنه تم رش الجنود الذين قاتلوا في الحرب العالمية الثانية بالمواد للقضاء على قملهم.

أثار مادة DDT المعجزة

ينطبق القول المأثور القديم لشيء “أفضل من أن يكون صحيحًا” هنا بالتأكيد، وسرعان ما بدأت المادة الكيميائية المعجزة في الكشف عن نفسها على أنها أكثر من نحلة من نعمة، حيث بدأ البعوض والآفات الأخرى في تطوير المقاومة ضد DDT، بالإضافة إلى ذلك فإن الأمر لم يقتصر فقط على الآفات، وإنما بدأ في التراكم أيضًا في النظام البيئي، وبالتالي فقد أثر ذلك بشكل سلبي على الحيوانات والنباتات والحشرات غير المقصودة، ولكن عندما أكلت الحيوانات العاشبة الحشرات والنباتات التي تم رشها بإستخدام DDT، فقد بدأت المادة الكيميائية في إحداث فساد في أنظمتها عالية المستوى.

تسببت هذه المادة في تلف الكبد وأثرت على الجهاز التناسلي للحيوانات، وقد تم وصفها أيضًا بأنها مادة مسرطنة، وأخيرًا فقد خظرت الولايات المتحدة هذه المادة في عام 1972، وسرعان ما حذت الدول الأخرى حذوها، ومع ذلك فلا يزال هناك العديد من البلدان التي ترش DDT كوسيلة للتحكم، ولا يزال هناك العديد من مناطق أفريقيا وجنوب شرق آسيا معرضين للآثار الضارة من DDT، وذلك لأن هذه المادة هي أحد الموارد الوحيدة لمعلاجة الملاريا.

يتم إستخدام DDT في أفريقيا لمعالجة البعوض الحامل للملاريا، وقد نظر الكثير في إعادة المادة في عام 2016 لمعالجة تفشي فيروس زيكا، وهو إقتراح الآثار حول جدول المبيدات الحشرية، حيث كتبت عالمة الأحياء البحرية والطبيعة راشيل كارسون في كتابها “الربيع الصامت” بأن الإنسان جزء من الطبيعة، وتكون حربه ضد الطبيعة هي نفسها الحرب ضد نفسه، وقد بدأ الكتاب بالثورة البيئية إلى حد كبير، وهذا من الأسباب التي جعلتنا قلقين من المبيدات الحشرية، ويشك العديد من العلماء ومسؤولي الصحة بأن الآفات مثل DDT يمكن أن تكون مستدامة على المدى الطويل.

إدخال اليعسوب إلى البعوض

تُعتبر اللعينات بأنه جزء من ترتيب اليعسوب ضمن البعوض والحشرات، وهي حشرات ذات المظهر الشبيهة بالطائرة الشراعية جزء من فئة جديدة من الأسلحة للتعامل مع البعوض، وهي العدو الطبيعي للبعوض، حيث يُطلق عليها إسم “صقور البعوض” بسبب شهيتها الشرهة للبعوض، وكما أظهر قدر كبير من الأبحاث المعملية بأن كل من الأداتونات البالغة واليرقات تتغذى على البعوض، ولكن اليرقات هي الأكثر شيوعًا لمكافحة الآفات واليرقات المائية، لذلك فقد يُساعد هذا على إبقاء أعداد البعوض تحت السيطرة.

بالنسبة للتطبيقات الواقية، فقد يتم إستخدام اليعسوب بنجاح كمحكم بيولوجي لمرة واحدة فقط، حيث قرر المسؤولون في ميانمار إطلاق اليعسوب في موسم الرياح الموسمية لعام 1980 في حاويات تخزين المياه المنزلية التي سيتم ملؤها برقات البعوض، وقد وجدوا خلال الموسم التالي بأن حوريات اليعسوب قد قامت بعملها وتم تقليل عدد البعوض.

النهج متعدد الجوانب

على الرغم من أن قصة النجاح هذه تعزز الثقة في الإدارة المستدامة للآفات، إلا أنها ليست مثالية إلى حد كبير، وقد تم تنفيذ طريقة التحكم هذه في الحاويات المغلقة، وكان الطعام الوحيد الذي كان لدى حوريات اليعسوب يرقات البعوض في الموائل التي تتوافر فيها الفرائس الأخرى، حيث وجدت الأبحاث التي أجريت في عام 1973 بأنه لا يمكن لليعسوب بأن نقسم بشكل إنتقائي على يرقات البعوض، وقد وجدوا أيضًا في دراسة متابعة عام 1977 بأن نصف أنواع اليعسوب قد أكلت البعوض، ويُشير بحث آخر إلى أن يرقات اليعسوب تُفضل الحشرات الأخرى التي يوجد فيها الإختبار.

تُعتبر أنثى البعوض من أنواع مثل الأنوفيلة الغامبية والمتصورة المنجلية بأنها ضمن بعض أكثر ناقلات طفيليات الملاريا فاعلية، والتي تضع بيضها في برك مؤقتة من الماء، ولا يعثر اليعسوب أو أيً من الحيوانات المفترسة على ذلك البيض ما لم يتم إطلاقه عن قصد في تلك المياه الراكدة، حيث يمكن أن تؤدي الظواهر الفيزيائية الأخرى مثل تبخر الماء إلى معدل وفيات أعلى من البعوض غير الناضج من الإفتراس، كما أن اليعسوب ليس الترتيب الوحيد الذي يفترس الحشرات.

هناك العديد من الحشرات مثل خنافس الغوص وحشرة الماء العملاقة وعقارب الماء، وهي ليست سوى عدد قليل من الحيوانات التي تفترض الآفات الحاملة للبعوض، حيث تؤدي هذه الحيوانات المفترسة إلى 90% من الوفيات الطبيعية للبعوض غير الناضج، و وفقًا لعدة خطوط بحثية، فقد تم إستخدام المبيدات الحشرية بالتداخل مع هذا الإفتراس الطبيعي، وقد تم إستخدام اليعسوب فقط للسيطرة على البعوض ويمكن أن لا يكون هو الحل، ومع ذلك فإنه يمكن لدمج الحيوانات المفترسة الطبيعية مع الإستراتيجيات الأخرى مثل الناموسيات وإطلاق البعوض العقيم الذكوري المعدل وراثيًا أن يعالج المشكلة ويساعد على خفض أعداد سكانها.

يركز البحث على كيفية لعب البعوض دورًا كناقل ومتفاعل مع الحيوانات الأخرى أيضًا، وذلك ما يُساعدنا على فهم أفضل لكيفية السيطرة على الأمراض التي ينشرها البعوض، ولكن إذا لم نتمكن من القضاء على الناقل، فيمكننا على الأقل منع عامل المرض نفسه، حيث يمكن أن لا تكون الإبادة لأعداد البعوض مجدية، وعلى الرغم من أن الباحثين يبذلون قصارى جهدهم، إلا أن بعض الباحثين يقولون بأنه يمكن لمسح البعوض من على وجه الأرض أن لا يؤثر سلبًا على أي النظام الإيكولوجي، ولكن آخرين لا يوافقون على ذلك، وهناك شيء واحد يمكننا أن نتفق عليه جميعًا، وهو أن وجود عدد أقل منهم سيكون لطيفا!

المصادر

  1. قمع الزاعجة المصرية (ذوات الجناحين: البعوضيات) بإستخدام الإصدار المعزز من يرقات اليعسوب – إطّلع عليه بتاريخ 22/03/2020.
  2. السيطرة المستدامة على البعوض – إطّلع عليه بتاريخ 22/03/2020.
  3. آثار إزالة أو تقليل كثافة البعوض للملاريا على تفاعل الحيوانات المفترسة والمنافسين في النظم البيئية المحلية – إطّلع عليه بتاريخ 22/03/2020.
  4. الملاريا – إطّلع عليه بتاريخ 22/03/2020.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *